"الرواية من الولادة المتعسرة .. إلى الأمومة الخالدة" في ثقافي جرمانا

بدعوة من ملتقى جرمانا الثقافي ( بالتعاون بين المركز واتحاد الكتاب العرب فرع ريف دمشق ) ألقى الأديب عماد عبيد محاضرة تحت عنوان "الرواية من الولادة المتعسرة .. إلى الأمومة الخالدة" ألقى الضوء من خلالها على الفن الروائي بادئاً بالقول :
الرواية تلك السجادة المزخرفة البديعة المنسوجة على نول الحكاية سداها الأفكار والأحداث والأشخاص والزمان والمكان ، ولحمتها عناصر فنية تتضافر فيها اللغة مع الأسلوب والتصوير والوصف والحبكة فتصلنا كلوحة جميلة محمولة على جناح الجذب والتشويق ، لتحقق المتعة والمعرفة معاً.


هذا الفن الذي استطاع أن يتبوأ سدرة المكان بين الأجناس الأدبية مُقصيا ً خلفه الشعر صاحب الريادة والشهرة والتاريخ والحضور المدوّي منذ الأزل.
ورأى أن الباحثين والنقاد اجتهدوا في تعريف الرواية فقد جاء في معجم روبار :
" هي نتاج تخيل يكون نثرا ذا طول كاف يصور شخصيات معينة تصويرا حركيا ويقدمها على أنها واقعية ويعرفنا بنفسياتها ومصائرها ومغامراتها "
بيد أن هذا التعريف أهمل غاية الرواية والغرض من وجودها فلكل رواية رسالة معرفية عليها أن تؤديها والرواية التي لا تحمل أفكارا تبقى مجرد لغوٍ ،وهذا ما يؤكد عليه المنظر الروائي النمساوي هيرمان بروخ بقوله : إن الرواية التي لا تكتشف جزءا من الوجود ما يزال مجهولا هي رواية لا أخلاقية .
وفي تعريف أكاديمي هي : تجربة أدبية يعبر عنها بأسلوب النثر سردا وحوارا من خلال تصوير حياة مجموعة أفراد ( شخصيات ) يتحركون في إطار نسق اجتماعي محدد الزمان والمكان ، ولها امتداد كمّي يحدد كونها رواية ..
وللرواية عناصر فنية متعددة تقوم عليها أهمها : الشخصيات – الحبكة – الزمان – المكان – الحوار – الموضوع أو الأفكار .. حيث يولي الكاتب مهمة السرد إلى راو أو أكثر داخلي أو خارجي يقوم بمهمة قيادة العمل معتمدا على أسلوب يختاره يتضمن الوصف والتصوير وطريقة السرد وكلما تطور هذا الفن اجتهد كتّابه في التجديد وإضفاء صيغ فنية أسلوبية حديثة عليه .
وعن انتشار الفن الروائي قال : لقد عزا النقاد والباحثون أسباب انتشار هذا الفن وتناميه عالميا و - على وجه الخصوص - أوربيا في تلك الحقبة (بدايات القرن السابع عشر) إلى جملة من الظواهر أهمّها ظاهرتين أجمع عليهما سدنة الأدب
-الظاهرة الأولى تعود إلى انتقال أوروبا من ظلمات القرون الوسطى إلى العصر الحديث-عصر النهضة- وتلاشي مرحلة الإقطاع وظهور الصناعة وصعود البرجوازية والرأسمالية حيث شكلت المدينة البيئة الولّادة لهذا الجنس الادبي فلذاك يقال إن الرواية ابنة المدينة والشعر ابن الريف والبادية .
- أما الظاهرة الثانية : وهي منبثقة عن الظاهرة الأولى- فبعد انتقال أوروبا من إسار القرون الوسطى إلى العصر الحديث والنهضة التي رافقت هذا الانتقال لا سيما في عصر التنوير أعطي المجال للمرأة كي تقوم بدور فعال في المجتمع فأصبحت مشاركة بعد أن كانت متلقية... و صارت تقوم بصناعة الحدث فيما كانت سابقا مادة استهلاكية للحدث ، ويؤكد على هذا الدور الشاعر (روبرت مارت) بقوله : (إن العصور القديمة لم تُنشئ الرواية لأن المرأة كانت مستعبدة . الرواية هي تاريخ المرأة) ألم يقل غوته :(الأنوثة الخالدة تجذبنا إليها) .
وتساءل عبيد ماذا عن الرواية العربية !؟
ما بين عام 1605 – ولادة رواية (دون كيشوت) وعام1913 ظهور رواية(زينب لحسين هيكل)- كأول رواية عربية حملت ميزات الرواية وصبغتها الفنية..
ثلاثة قرون فصلت بين بدايتين وهنا يبرز السؤال: لماذا تأخرت الرواية العربية كل هذا الوقت لتعلن عن نفسها كجنس أدبي مستقل؟
الجواب على هذا السؤال يخلق تساؤلا آخر : كيف استطاعت الرواية العربية خلال أقل من قرن من الزمان أن تتصدر المشهد الأدبي وتتجاوز باقي الأجناس الأخرى حضورا وقراءةً تماما مثلما سبق للرواية العالمية أن تصدرت واجهة الأجناس الأدبية ..
بقي النثر العربي يراوح بين تلك الأجناس ردحا طويلا من الزمن حتى القرن التاسع عشر فمن خلال الاحتكاك الثقافة الغربية وإتقان اللغات الأوروبية والتأثر بعصر النهضة الأوروبي كانت البدايات إما عبر روايات غربية مترجمة بتصرف أو روايا ألفها كنابها وكانت الريادة لمصر ولبنان فلمعت أسماء كتّاب كتبوا حكايات بطريقة القص منها التاريخي المستلهم للتراث الأدبي العربي القديم ومنها المتأثر بالثقافة الغربية المفتن بها والمحكوم لهيمنتها لكنها افتقدت للفنيات وغلبت عليها اللغة الركيكة أو الدارجة فلم يتم تصنيفها ضمن الروايات الأدبية الفنية يبد أن الناقد الدكتور(صلاح فضل)يشير في كتابه( لذة التجريب الروائي) ( إن ما ينكره البعض عن الميلاد العسير لهذا الفن في القرن التاسع عشر والاختلاف على البدايات ما هو إلا الأب الشرعي الحقيقي لهذا الوليد ) ويقول أيضا ( إن المحاولات التجريبية الأولى في مسيرة الرواية العربية هي التي شكلت تياراتها الفاعلة في مستويات السرد العديدة ).
ويرى الدكتور ( حسام الخطيب )في كتابه ( روايات تحت المجهر ) إن ما قبل رواية ( زينب ) كانت المحاولات الحائرة للرواية العربية والتي لم ترق إلى التوصيف الفني لتحمل اسم هذا الجنس الأدبي في حيين تنتمي رواية ( زينب ) وما جايلها لمرحلة ( البدايات ) كما يؤكد على أن تلك البدايات حملت تأثيرات الرواية الغربية شكلا ومضمونا .
لذلك آثرنا أن نطلق تسمية الجيل الأول على جيل رواية ( زينب ) حيث لمعت أسماء مهمة في تلك الحقبة في مصر أمثال - طه حسين - إبراهيم المازني – محمد تيمور – توفيق الحكيم – ولحق بالركب نجيب محفوظ ) وفي لبنان ( ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران وأمين الريحاني ).
أما في سورية فيرى الدكتور ( الخطيب ) إن أول رواية سورية حملت صفة الرواية الأدبية هي رواية ( نهم ) للكاتب شكيب الجابري عام 1937 والتي اعتبرت فتحا أدبيا إبداعيا بالرغم من تأثرها بالصيغة والبيئة الغربيتين وتبعه ( معروف الأرناؤوط ) في سرديته ( سيد قريش )) بأجزائها الثلاثة 1938... ثم ( جورج سالم ووداد سكاكيني ) وغيرهم والملاحظ في تلك الحقبة أن الرواية كانت ماتزال تحمل تأثيرات الرواية الغربية وغلبت عليها الصفة الرومانتيكية والكلاسيكية وبقيت مرهونة للتأثيرات الغربية ومحتكمة لمقاييسها خاصة من حيث الشكل.
أضاف عبيد : بدأت ـ ملامح الجيل الثاني للرواية العربية تتوضح في أربعينيات القرن العشرين قبيل وبعد ظهور متوالية الاستقلال للدول العربية وهو ما يسمى (عصر النهضة) فتوزعت مذاهبه بين الكلاسيكية والرومانتيكية والواقعية التقليدية، وكان من أبرز كتاب هذا الجيل (نجيب محفوظ) بعد أن تعلق بقطار الجيل الأول وقفز إلى مقدمة قطار الجيل الثاني، ولمعت اسماء مثل ( إحسان عبد القدوس — يوسف إدريس ..).
بعد نكسة حزيران انتهج كتّاب الرواية نهجاً جديداً تمثل بسلوك مذهب الواقعية الجديدة والواقعية الاشتراكية لتدخل الرواية العربية جيلها الثالث، فقد اثرت النكسة على الذهنية الإبداعية للكتّاب، مثلما خلقت تحولا معرفيا عند المفكرين والمثقفين على السواء، فنضّوا عنهم عباءة الوهم وجلباب الأحلام الوردية، وأعادوا ترتيب أفكارهم .. منهم من جعل من النكسة عبرة لاستلهام الدروس والبحث عن مفازات لإعادة النهوض من جديد، ومنهم من حاول الاغتسال بالذنوب كحالة تطَهّر مركزا على الأخطاء معترفا بثقل الانكسار فظهرت روايات تطرقت للحالة الراهنة وحاكت الواقع الرديء وتميزت بالتطور الفني والتجديد التكنيكي في الصياغة الشكلية ، وإعادة تدوير الأفكار والرؤى بأسلوبية مبتكرة فاشتغل البعض على فكرة تيار الوعي كما ظهرت الرواية متعددة الأصوات كحالة اعتراف المكافئ الموضوعي للآخر فضلا عن أعمال كيرة على امتداد الساحة العربية اشتغلت على التجديد والتطوير في البناء الروائي فنياً وموضوعياً، تناولت حالة الطبقات المقهورة فدخلت دهاليز الحياة الاجتماعية للمجتمع العربي ونثرت بين طياتها معارف فكرية وثقافية جديدة ولا سيما بعد ظهور المد الاشتراكي وتغير مفاهيم المقاومة والنضال وفي هذه المرحلة وقفت الرواية على رجليها بثقة واقتدار كجنس أدبي تبوأ المراكز الأمامية بين أجناس الأدب.
وألمح عبيد إلى الحيلة الروائية مشيرا إلى:
رواية حالة شغف لنهاد سيريس
وإلى الأخوة كرما زوف دستوفيسكي
وإلى شقة الحرية لغازي قصيبي
وإلى ساق البامبو سعود السنعوسي
وأشار إلى ان تيار الوعي هو اتجاه فكري بدأ بعلم النفس على يد الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي (وليام جيمس) عام 1884 مهتماً بإسقاطات علم النفس الاستبطاني معبرا عن الانسياب المتواصل للأفكار والمشاعر والذكريات داخل الذهن وسرعان ما تلقفه النقد الأدبي ثم انتهجه بعض الأدباء ، ولاسيما الروائيون منهم كاسرين التقليد المتواتر للنهج الروائي الكلاسيكي بعد أن خطت المدنية خطوات سريعة إلى الأمام وظهر الاهتمام بالذاتي والسلوكيات الشخصية للفرد كما ساهمت بذلك عوامل خارجية تمثلت في الحربين العالميتين ونمو الرأسمالية فأصيب الانسان الفرد بالقلق وشعر بالاغتراب فانعطف إلى تسجيل مشاعره الداخلية وتداعيات افكاره في توليفة أدبية جديدة متمردة على الجماليات الروائية المعروفة فانتقل من الرواية الاجتماعية المنصبّة على وصف السلوك الظاهري للمجتمع إلى الرواية النفسية التي تهتم بالتجربة الشخصية للإنسان ومن أبرز صفات هذا النهج ( مناجاة النفس – وصف الوعي- الذهني للشخصيات - بالتداعي الحر عن طريق الخيال والحواس- السرد المتقطع أو المونتاج السينمائي بطريقة تعدد الصور وتواليها.


المركز الثقافي العربي في جرمانا
5/ 12/ 2018


Share  
التعليقات (التعليقات تعبر عن آراء أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع)
أضف تعليق

(الحقول المرمزة بـ * مطلوبة، سيتم عرض التعليق بعد مراجعته)

الاسم
*

نص التعليق (الحد المسموح 500 حرف)
*

أكتب هنا الأحرف التي تظهر لك في الصورة في الأسفل:




تابع نشاطات المديرية
خلال هذا الشهر


نشاطات اليوم


آخر الأخبار


free counters

أضف الموقع إلى المفضلة

مديرية الثقافة بريف دمشق © 2017 - 2012
Copyright © doc-dc.gov.sy
م. رندة بشير تصميم وتطوير
Designed & Developed by Eng. Randa Basheer
اتصل بنا ورقة وقلم
صفحة للقراء
نوافذ ثقافية متميزة
روابط مفيدة
مكتبة
مكتبة الصور
المكتبة الإلكترونية
معلومات وإحصائيات
أعلام الأدباء
كشكول
الأخبار
المعارض
الإعلانات
أجندة
النشاطات
المقالات
بوصلة
المراكز الثقافية
معاهد الثقافة الشعبية
المكتبات
المديرية
نشاطات المديرية